الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

31

مرآة الحقائق

قال تعالى : يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ [ البقرة : 54 ] . إشارة إلى القوى النفسانية والطبيعية العاصية ، كما دلّ عليه قول اللّه تعالى : إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ [ طه : 90 ] : أي بعبادة عجل الطبيعة الذي اتخذه سامري الهوى ، مع أنه لا بد من ذبحه . كما قال : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [ النساء : 58 ] ؛ وهي أمانات الأمر والنهي ، وأهلها القلب والقوى الروحانية ، وبوصولها إليها والحركة بالعمل بمقتضياتها ؛ ينكسر سورة النفس والطبيعة ، وتموت القوى الفاسدة الحاملة لموت القلب ، وحياة النفس . وعليه قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [ البقرة : 67 ] ؛ فهذه البقرة باقية في العالم ما دام الجهاد باقيا ماضيا إلى يوم القيامة ، فمن أهلّ النفس أبقاها ، ومن أهلّ القلب ذبحها ، فإنه القوي المتين . وفيه إشارة إلى أن ما سوى اللّه تعالى كله فتنة للإنسان ؛ ومنه وجوده وما يتبعه سوى سرّ سرّه الذي هو مظهر الوجود والإطلاق الغيبي كما ورد : « سرّ الإنسان سرّي ، وسرّي سرّه » : أي سرّه ظاهر سرّي ، وسرّي باطن سرّه ، فافهم جدا « 1 » . قال اللّه سبحانه وتعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [ البقرة : 67 ] . وقال تعالى : لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ النساء : 29 ] . أمر اللّه تعالى في الآية الأولى من طريق الإشارة بذبح بقرة الطبيعة والنفس ؛ لأنهما واحدة في الحقيقة ، ومختلفتان ببعض الخصائص ؛ حيث إن الطبيعة محلّ الشهوة الجسمانية ، واللّذّة النفسانية ، والنفس محلّ الهوى ، والميل إلى ما سوى المولى ، ونهى في الآية الثانية عن قتل الأنفس ، والتوفيق بينهما هو أن المراد بالأنفس في الآية الثانية ؛ هو الأرواح ، ومعنى قتلها المباشر بأسباب تؤدي إلى مفارقتها عن الأبدان ، واضمحلال آثارها عنها بالكلية وهو المراد بقوله : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [ الأنبياء : 35 ] ، [ العنكبوت : 57 ] : أي مفارقة لبدنها بانقطاع عن ظاهره ، وباطنه ، والمراد بالنفس في إشارة الآية الأولى ؛ هي القوة المخصوصة الباعثة على الهوى ، والانقياد إلى الطاغوت

--> ( 1 ) الحديث كشفي ، وقال سيدي محمد وفا رضي اللّه عنه : السر هو ما يخفى في البيان ، وحقيقته : معنى يعجز عن تصور ما هو الفكر البشري ، وغايته : وجدان يقوم بالقلب لا يمكن التعبير عنه بوجه من الوجوه .